الثالث من أيلول  /سبتمبر , 2009

 

ثائر الناشف

العراق الجاني... والمجني عليه

عندما يكون العراق في حالة ضعف تكون إيران في حالة انتقام للتاريخ الذي تفتت فيه عروش امبراطوريتها

 

من يتحمل مسؤولية العنف والفوضى في العراق ? على إثر هذا السؤال تتوزع المسؤوليات بين القوات الاميركية والحكومة العراقية ودول الجوار الإقليمي وخصوصاً إيران والنظام السوري .

لكن , ألا يمكن تحميل العراقيين أنفسهم مسؤولية ما آلت إليه أوضاع بلدهم ? فمن الذي أجج نار الطائفية وشكل الميليشيات المذهبية وأقام الحواجز الاسمنتية بين المدن والقصبات , أليسوا العراقيين أنفسهم , ومَن الذي سلم مستقبل بلده للمرجعيات الدينية , أليسوا العراقيين ?

بالمقابل , إذا كان البعثيون والصداميون هم مَن نفذ وينفذ كل هذه العمليات التفجيرية , وعلى الخط الآخر تنظيم "القاعدة" , لجهة القيام بالعمليات الانتحارية , أليس هؤلاء عراقيون ? ولماذا كل هذه الجلبة والضجة الإعلامية , بالقول إن المفجرين والانتحاريين يتسللون إلى أرض العراق من دول الجوار ليعيثوا به قتلاً وفساداً ?

قد يكون بعض هؤلاء الانتحاريين ليس من العراق , كتنظيم "أبو مصعب الزرقاوي" , لكن ماذا نقول عن " أبو غادية" وجماعة "جند السماء" , ومن يدعي أنه المهدي المنتظر , أليس العراق مَن يجني على نفسه قبل أن يجني عليه الآخرون ?.

إذا ما ذهبنا إلى القول إن العراق جنى على نفسه كما جنت براقش على أهلها , قد يتهمنا البعض بالتعدي على أعرق حضارة عرفها التاريخ الإنساني , حضارة أرض الرافدين , التي تحولت مسرحاً لتصفية الحسابات الإقليمية والتاريخية .

الحضارة في نظر بعض سفسطائيي العراق , لا تنتج العنف ولا التطرف , فمن أي حضارة هبط الصداميون والصحويون والصدريون , ألم يأتوا من الرحم العراقي , مثلما أتى المتنبي وأبو النواس  من الرحم ذاته.

إذن , العنف في العراق ليس وليد لحظة سقوط نظام صدام حسين ولا بدخول القوات الاميركية إليه , إنما هو حالة قديمة قدم العراق والحضارات التي تعاقبت على أرضه , فلم يذق هذا البلد طعم السلم إلا في فترات قصيرة متباعدة .

ولا يفوتنا أن العنف لم يوفر آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهم في مراقدهم , كما حصل مع مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (رضي الله عنهما) في سامراء قبل ثلاثة أعوام , وقبله بمئات السنين شهد العراق أكبر عملية اغتيال سياسي في التاريخ الإسلامي للإمام علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) ونجله الإمام الحسين (عليه السلام) , بغض النظر عن المنفذ والدوافع السياسية التي دفعته آنذاك , ولازال هذا الاغتيال الدامي يلقي بظلال من العنف يدفع المسلمون ثمنه الأكبر .

وبالنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس , يظهر جلياً أن الحسابات التاريخية الضيقة لإيران , مازالت تتمترس خلف ذهنية الثأر والانتقام منذ آلاف السنين , وهي الآن تفعل فعلها الانتقامي في العراق , الذي خاض معها أشرس الحروب على مر التاريخ البشري .

عندما يكون العراق في حالة ضعف , تكون إيران في حالة انتقام للتاريخ الذي تفتت فيه عروش أمبراطوريتها العظمى , هذه المعادلة الخاضعة لتوازن القوى الإقليمية , يُجنى فيها على العراق أكثر مما يجني على نفسه , إذا ما استبعدنا منها توازن المصالح الحزبية والمذهبية .

أما عندما يكون النظام السوري في زواج مقدس مع ملالي قم , فلا غرابة أن تتوحد أجندتهما السياسية في زعزعة العراق تمهيداً لملء فراغه .

 

* كاتب عربي , Thaaer-1@hotmail.com

 

المصدر : رُكن القلم

رُكن : ثائر الناشف

عن : السياسة

لقراءة المادة بصيغة PDF

تنويه : " يرجى الإشارة إلى المصدر , وللتذكير ليس بالضرورة كل ما ينشر يعبر عن رأي رُكن القلم – المؤسسة الثقافية الأحوازية ".