|
الثالث عشر من شعبـان , 1430
الرابع من آب
/أغسطس
, 2009
الأستاذ
/
علاء الدين حمدي
بروتوكولات ملالي إيران (8)
الحركة الخمينية في لبنان
تحدثت فى الحلقة السابقة عن اختفاء "الصدر" وكيف أنه تحول إلى لغز حقق
هدفين متناقضين في وقت واحد، التخلص من طموحه الكبير لصالح "الخمينيين" فى لبنان
وخارجها من ناحية، ومن ناحية أخرى إعطاء دفعة معنوية كبيرة، اتضح فيما بعد أنها
مؤقتة، لحركة "أمل"، نتيجة ارتفاعه إلى مرتبة "الإمام الغائب" فى تقدير المجتمع
الشيعى اللبنانى، وبالتالى يجب على هذا المجتمع، كما كان المتوقع، الوفاء لذكراه
والالتفاف حول تراثه "حركة أمل" وقادتها الجدد، ورثة "الإمام" وحاملى رسالته، أيا
كان الخط الذى انتووا انتهاجه فى المستقبل، وقلت كذلك أن "الصدر" بدهائه السياسى،
كان يخطط لأن تكون علمانية حركته سبيلا لاحتواء كل اللبنانيين داخل صفوفها،
وبالتالى يكون ولاؤهم، على اختلاف مذاهبهم ودياناتهم، "للصدر" .. الأب الروحى ..
يأتمرون بأمره، وينفذون رؤيته دون غضاضة يفرضها الاختلاف الدينى أو المذهبى مع
الرجل، خاصة بعد أن استطاع هذا الرجل "انتزاع" نوع من الشرعية الوطنية بالانقلاب
على الفلسطينيين ثم التحالف مع الموارنة الذين يمثلون مؤسسة الرئاسة وبالتالى تأمين
جانب دول الغرب التى تدعمهم، ثم تتويج ذلك بإعلانه أن "حركة أمل" خلقت لتكون
امتدادا للجيش اللبنانى فى الجنوب لدعمه ضد الهجمات الإسرائيلية!
ولكن .. هل راقت كل هذه التحولات والمخططات والنوايا لبقية اللاعبين
على الساحة الشيعية اللبنانية أو إلايرانية؟ هذا ما سأجتهد لتوضيحه فى السطور
التالية.
منذ بدأ "الصدر" خطواته الأولى لتأسيس البنية الأساسية السياسية
لمشروعه الكبير الطموح، كان هناك رجل آخر يعمل متزامنا ولكن فى الظل بعيدا عن
الأضواء، هو "حسين فضل الله"، رجل الدين، خمينى الهوى والولاء، الذى وجه اهتمامه من
البداية ودون ضجيج لإعادة العِلم الديني الشيعى ونشره بين جنبات المجتمع اللبنانى!
فأسس بنيانه منذ البداية على ما سماه "الحالة الجهادية الثورية أو الذهنية الثورية"
وجعلها أساسا لما سماه "الشخصية المتكاملة" لخريجى الحوزات العلمية التى تصل
بصاحبها الى الجائزة الكبرى أو التمـتع برؤية "الحسين" رضى الله عنه! (ورؤيا الحسين
هو ما يردد الرغبة فيه كل شهداء المقاومة الإسلامية بلبنـان، وما يعربون عن الأمل
في الحصول عليه، ويقاتلون في سبيله، ويرون فيه ثمناً لبذلهم دمهم وحياتهم) وضاح
شرارة ـ دولة حزب الله، لذلك ركزت الحركة التى أطلق عليها "الحركة الإسلامية
الخمينية في لبنان"، جهدها للمساجد والمدارس الدينية والنوادي الحسينية والمصليات
الشيعية، وذلك حتى تحافظ على هوية أتباعها وتنأى بهم عن الاندماج فى المجتمع
اللبنانى بتناقضاته المعروفة من ناحية، ومن ناحية أخرى تغلغل الحركة وانتشارها فى
كافة ربوع لبنان بطريقة أشبه بمبدأ "إعادة الانتشار" تمهيدا لاستقبال نتائج ثورة
"الخمينى" المرتقبة ولكن دون إعلان صريح عن النوايا الحقيقية من وراء ذلك بسبب عدم
توفر القوة العسكرية اللازمة لحماية مثل هذا الإعلان، الأمر الذي فرض ضرورة
الاحتماء بحركة "أمل" الى حين تدبير القوة اللازمة للخروج من طياتها سياسيًّا
وعسكريًّا! (فكانت الحركة الصدرية واقي أنصار الدعوة والإسلاميين الخمينيين في حال
ضعفهم، وحتى إعلانهم الاستقلال السياسي والعسكري، إلا أنهم في هذه الأثناء كانوا
يعملون عملاً حثيثًا على بناء النواة التي في مستطاعهم إنشاء معقلهم حولها) وضاح
شرارة ـ دولة حزب الله.
وبعد نجاح الثورة الخمينية، وكما يقول "عبد المنعم شفيق ـ حزب الله
رؤية مغايرة" ( أصبحت هناك دولة دينية شيعية كان عليها أن ترد الجميل لأهلها في
لبنان، فاحتضنتهم بالمأوى والتدريب، وكان رد الجميل سريعًا، فأمدوهم، بعد الدفعة
المعنوية الكبيرة بنجاح الثورة، بالمال والسلاح والرجال والتخطيط)، بمعنى أن الظروف
والقوة الجديدة سمحت "للخمينيين" اللبنانيين بإعلان نواياهم الحقيقية وإنهاء مرحلة
"التقية" بأمل منها! ثم تحولوا الى تهميشها وخروجهم من عباءتها حتى لا تبقى التنظيم
الرسمى الممثل للشيعة فى لبنان كما اتفق عليه من قبل، هذا طبعًا بعد أن سبق وتم
إضعافها باختفاء "الصدر" بعد أن بدأت تباشير نجاح الثورة الخمينية!
وعند هذه النقطة تحديدًا، أقصد بداية تباشير نجاح الثورة الخمينية،
وفى اقتحام لعش الدبابير، يمكننا الترجيح، باطمئنان كبير، بضلوع "الخمينيين" في لغز
اختفاء "الصدر"! خاصة في ظل ما سبق ووضحناه عن العلاقات الأكثر من ممتازة بين "ياسر
عرفات" الملدوغ "صدريًّا" وبين "الخمينى" من ناحية، وبين "عرفات" و"القذافي" من
ناحية أخرى، وأيضًا إذا أخذنا فى الاعتبار اتهام ليبيا "لنبيه برى" بأنه هو الذى
يقف وراء عملية الاختفاء ليحل محله فى قيادة "أمل" والترويج ان الحركة هى المستفيد
الأول من غيابه, الأمر الذي كان من شأنه إثارة الاستياء الشعبى ضد قيادات الحركة
والانقسام داخلها و المزيد من إضعافها، وفى نفس الوقت اخراج "الخمينيين" من صورة
المؤامرة بمنتهى البراعة!!!
كان المبرر لتهميش "أمل"، الترويج أن الهدف الحقيقى من تشكيلها هو
إخراج الفلسطينيين من الجنوب وحماية الشيعة منهم، وطالما أن الاحتلال الإسرائيلي
لبيروت قد أخرج الفصائل الفلسطينية المسلحة، إضافة إلى تصفية عدد كبير منهم على يد
اليهود والموارنة وأمل نفسها، فبالتالي لم يعد لأمل دور أو مهمة خاصة تمنحها حق
الاستمرار على الساحة بنفس وضعها السابق!
وكما ذكرنا من قبل، فقد كانت "التقية" والتعاون مع الحكومة اللبنانية
والتمسك "الظاهرى" بشرعية الدولة هو خط "أمل" منذ بداياتها لحماية حقوق الشيعة، أما
الحركة الخمينية الجديدة فقد رأت أنها أصبحت تملك من عناصر القوة والاستقواء
بالدولة الإيرانية الجديدة ما يجعلها تخرج عن "تقيتها"، وتجاهر بقوتها وسعيها
لتحويل الدولة اللبنانية إلى دولة دينية شيعية تابعة للفقيه الإيراني، وقد جاءت
الفرصة عقب الاجتياح الاسرائيلى لبيروت وما تلاه من دعوة الرئيس اللبناني وقتها
"إلياس سركيس" إلى اجتـمـاع "هيئة الإنقاذ الوطني اللبنانى" لاعلان تحويلها الى
حكومة وطنية، وكان "نبيه بري" عضوًا فيها بصفته زعيما لحركة "أمل" التى يعتبر أحد
أهم أهدافها التى وضعها "الصدر" هو أن يكون لها تواجد حكومي قوي (حوار بري مع
الوسط، العدد274 و277 ـ عبد المنعم شفيق، حزب الله رؤية مغايرة)، وهنا ظهر ما تم
التدبير له بليل حين أعلن "حسين موسوى"، نائب رئيس حركة "أمل" وأحد "الخمينيين"
المتدثرين داخلها، انشقاقه عن الحركة وإعلانه عن ولادة كيان جديد سماه "أمل
الإسلامية"، وبهذا الانشقاق تم تفريغ "أمل الصدرية" من كوادرها "الخمينيين" الذين
انضموا إلـى "أمــل الجديدة"، وكان ذلك بمثابة الإعلان التمهيدى لخروج "حزب الله"
إلى الساحة (أمل والمخيمات، عبد الله الغريب ـ حكام لبنان، المجلة، 7/4/1995 ـ عبد
المنعم شفيق، حزب الله رؤية مغايرة).
إذا فقد تم التخطيط لإضعاف "أمل" قبل اختفاء "الصدر"، وتهميشها فيما
تلاه حتى إعلان "أمل الإسلامية"، ولكن مع استمرار وجودها داخل العمل السياسى الشيعى
اللبناني! وذلك لعدة أسباب أهمها، أولا: وجود دور محدد لرئيسها "نبيه برى"، يرى
"الفقهاء" أهميته حتى ولو بدون اتفاق مع الرجل، ثانيا: اقتضاء المرحلة لوجود شخصيات
متعصبة لمذهبها ولكن غير متدينة كـ "بري"، ثالثا: وهو الأهم إلصاق مذابح الشيعة ضد
الفلسطينيين "السنة" بشيعى علماني هو "بري" ! حيث كان من الصعب إلصاقها بآيات الله
الذين ينادون بالتقارب مع أهل السنة! رابعًا: مبدأ "التقية" الذى يقف وراء كل موقف
سياسى شيعي في أي عصر أو مكان، إضافة إلى أن (هناك قاعدة هـامـة يجب الالتفات
إليها، أولاً أن معيار الظهور السياسي الشيعي في لبنان مرتبط ارتبـاطًا وثيقًا
بإيران ومطالبها في لبنان، وذلك حسب الخيارات والأهداف المرحلية التي تنتهجها)
"آ.ر. نورتون ـ لبنان .. الصراع الداخلي والارتباط بإيران"، بمعنى أن جدول توزيع
الأدوار تضعه "قم" وفقًا لمقتضيات المرحلة، أو وفقًا لمنهجها في "تصدير الثورة
لحماية الثورة"!
ونخلص إلى أن "الصدر" كان يرغب فى إنشاء دولة لبنانية شيعية صاحبة
قرارها، بينما الخمينيون اللبنانيون، كانوا وما زالوا، يرغبون في أن تكون لبنان جزء
من إيران وخاضعة لفقيهه الولي كما يردد "حسن نصر الله" دائمًا، ومن هنا كانت
"حتمية" اختفاء الصدر، وكانت "حتمية" نشأة حزب الله.
ونستكمل في حديث القادم إن أراد الله تعالى، ثم أذن مضيفونا، وكان في
العمر بقية.
ضمير مستتر :
-
يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا
وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:67]
كاتب مصري ,
a4hamdy@yahoo.com
المصدر :
رُكن القلم
رُكن :
الأستاذ
/
علاء الدين حمدي
لقراءة المادة بصيغة
PDF
تنويه :
" يرجى
الإشارة إلى المصدر , هذه المقالة للكاتب المصري الأستاذ
/
علاء الدين حمدي – رُكن القلم – المؤسسة الثقافية الأحوازية ".
|