التاسع من ربيــع الأخر , 1430

الخامس من نيسان  /أبريل , 2009

 

الأستاذ / علاء الدين حمدي

بروتوكولات ملالي إيران (2)

 

العلاقات الإيرانية ـ الإسرائيلية

 

استعرضت مع حضراتكم في المقال السابق، تحت عنوان بروتوكولات ملالي إيران (1)، حقيقة المشروع الحلم الذي كان يراود " آية الله الخميني " قائد الثورة الإيرانية وسعيه لإقامة حزام " شيعي " يتألف من إيران والعراق وسوريا ولبنان يُمكِّنه من السيطرة على ضفتي العالم الإسلامي ثم استخدام النفط وموقع الخليج العربي لاستكمال هذه السيطرة حسب ما ذكره " أبو الحسن بني صدر "، أول رئيس لإيران بعد الثورة الخمينية، في حواره في أوائل ديسمبر عام 2000 مع قناة الجزيرة، وقلت إن هذا المشروع السياسي وضِعَت له، على حد تصوري، بروتوكولات محددة لضمان تنفيذه، ولو على المدى الطويل، تستند على محورين رئيسيين، أولهما حصار نطاق أمن مصر القومي لتحجيم دورها كقلعة للمسلمين السُنّة وكأكبر قوة عربية , وثانيهما اكتساب التأييد الأمريكي والإسرائيلي، كحليفين على عدو مشترك هو العرب عموما سُنّة أو شيعة ! وقلت كذلك إن الساسة الإيرانيين، وحسب تصوري أيضًا، يستخدمون بروتوكول " فوبيا " نشر المذهب الشيعي بين العرب " السُنّة " كستار يشغلهم عن الهدف السياسي الذي وضعه " الخميني " في مشروعه.

 

واليوم نعود إلى استكمال استعراض ما يعنينا في حوار " بني صدر " لقناة الجزيرة خاصة قوله (كان الخميني مقتنعًا بأن الأمريكيين سيسمحون له بتنفيذ حلمه، فقلت له إن الأمريكيين يخدعونك، ورغم نصائحي له ونصائح الرئيس عرفات الذي جاء يحذره من نوايا الأمريكيين فإنه لم يكن يريد الاقتناع) هذا ما قاله " بني صدر " حرفيا، ويُفهم منه أن، المرحوم، الرئيس " عرفات " كان على علم كامل بخطة " الخميني " وأن تحذيره له كان خوفا على مشروعه من عدم سماح الأمريكيين، لا خوفا من خطورة المشروع نفسه على الأشقاء الذين لا نَدرِ ما إذا كان الرئيس "عرفات " قد حذرهم وقتها أم أنه فضل الصمت ! أيضًا نلاحظ أن عبارة بني صدر للخميني (إن الأمريكيين يخدعونك) يُفهم منها أن المشروع الإيراني كان معلوما للأمريكيين وتم إقراره بالفعل من حيث المبدأ، وأن المفاوضات تجرى حول ضمانات تنفيذه وتتم بعلم " بني صدر " تحت رعاية " الخميني " وباطلاع شخصيات عربية، على نوايا الأمريكيين، كالرئيس " عرفات " !

 

إذا فالمشروع الحلم لن يتحقق إلا بتقديم ضمانات تكفل الحصول على موافقة الإدارة الأمريكية بصورة كاملة أهمها طمأنتها باستمرار التعاون مع إسرائيل كما كان عليه في عهد " الشاه " قبل " الثورة "، هذا على فرض أن أمريكا كانت بالفعل مرتابة أو قلقة جدا وتحتاج إلى طمأنة ! فعلى حد تصوري، فان فرصة تحقيق نتائج ايجابية لصالح المشروع " الأمريكي ـ الإسرائيلي " في المنطقة مضمونة مع " إيران الملالي " على عكس " إيران الشاه " التي كان لها نفس الأطماع السياسية إلا أنها لم تسع لتحقيقها عن طريق الزعم بمسئوليتها أمام الله تعالى عن نشر مذهب عقائدي أو أنها نموذج يُحتذى لما يجب أن تكون عليه الدولة الإسلامية الراشدة، لذلك لم يكن لها نفوذ إقليمي يُذكر على المستوى الجماهيري، وبالتالي فلم يكن لها دور محوري فعّال في المنطقة يمكن استغلاله كآلية جيدة لصالح المشروع " الأمريكي ـ الإسرائيلي " ويضطر الأمريكيين إلى استمرار دعمها، لذلك توقف دورها عند مرحلة الحليف القوي لأمريكا في مواجهة دوائر الحكم الإقليمية دون أن يكون لها أي تأثير ملموس على رجل الشارع العربي، على عكس " إيران الملالي " وبروتوكولها شديد الذكاء الذي ادعت من خلاله أنها " ثورة إسلامية " لدغدغة عواطف " الطيبين " في دولنا العربية تحديدا وبالتالي الحصول على تعاطفهم وتأييدهم الجماهيري الضاغط كمرحلة أولى، يليها دعم الحركات، غير الشرعية، داخل هذه الدول لضمان ولائها " للملالي " ومن ثم تكرار تجربة الثورة الإيرانية في بلادهم أو على الأقل إثارة القلاقل فيها، تحت رعاية " الأب الروحي الإيراني "، حتى لو كان هؤلاء المتعاطفون المدعومون من المسلمين السُنّة! وبالتالي ينجح البرتوكول الشيطاني في جعل المشروع " الأمريكي ـ الإسرائيلي " هو الأشد حاجة والأكثر إلحاحًا وحرصًا على التحالف مع مشروع " إيران الملالي ".

 

وهذا، إن لم يشطح بي تصوري، ربما يكون أحد المبررات الرئيسية، غير المعلنة، التي دفعت بالأمريكيين للتخلي عن رَجُلِهم " الشاه " بسهولة واستبداله " بالخميني " وثورته التي رُوج لها كثورة إسلامية، رغم ما يفترض من أن نجاح " الخميني "، لو تم رغم إرادتهم، فإنما يعنى تصدير ثورته وكذلك مصطلحه:

 

" إن أمريكا هي الشيطان الأكبر " إلى دول الجوار " المعتدلة " حتى ولو بدون دعم، فالثورات، في رأيي، دائما ما تكون مادة جيدة التوصيل بين الشعوب التي لها نفس الواقع والظروف، خاصة لو كانت ثورات دينية حقيقية، وربما عدم انطباق وصف "حقيقية " هذا بمفهومه الديني هو السبب في منع تكرار التجربة الإيرانية على المستوى الشعبي في دول عربية أخرى حتى الآن رغم مرور ما يقرب من ثلاثة عقود على ثورة "الخميني"!

 

وفى نفس الحوار، كشف " بني صدر " أيضًا كيف وضع " الخميني " بنفسه أسس البروتوكول التعاوني مع إسرائيل قائلا (في اجتماع للمجلس العسكري أخبرنا وزير الدفاع أننا بصدد شراء أسلحة من إسرائيل، عجبنا كيف يعقل ذلك؟!

 

سألته: من سمح لك بذلك ؟ فأجابني: الإمام الخميني، قلت: هذا مستحيل !! قال: إنني لا أجرؤ على عمل ذلك وحدي، سارعت للقاء الخميني، وسألته: هل سمحت بذلك؟ أجابني : نعم، فالإسلام يسمح بذلك، وأضاف قائلاً: إن الحرب هي الحرب، صعقت لذلك صحيح أن الحرب هي الحرب ولكن أعتقد أن حربنا نظيفة، الجهاد هو أن تقنع الآخرين بوقف الحرب، والتوق إلى السلام، نعم، هذا الذي يجب عمله وليس الذهاب إلى إسرائيل وشراء سلاح منها لمحاربة العرب، لا، لن أرضى بذلك أبدًا، حينها قال لي : إنك ضد الحرب وكان عليك أن تقودها لأنك في موقع الرئاسة ).

 

وأتصور أن الجزء الخطابي الأخير من كلام " بني صدر " الذي تولى رئاسة إيران لمدة 17 شهرا منذ اندلاع الثورة وحتى إقالته في آواخر مايو 1981، ربما أراد منه غسل يديه من بروتوكول " الخميني ـ إسرائيل " لمجرد تحسين صورته أمام " بعض " الدوائر الرسمية العربية الغنية، بعد خروجه من السلطة وتحوله إلى معارض لنظام " الملالي "، إذ ليس من المنطقي أنه لم يكن على دراية، مثلا، أن إيران اشترت في عهده من الإسرائيليين إطارات لطائراتها من طرازF5، F4 في بداية حربها مع العراق (1980 – 1988)!

 

الشاهد أن بروتوكول التعاون الإيراني الإسرائيلي استمر، وحتى الآن، وظهر في أكثر من موقف منها قضية " إيران ـ كونترا " الشهيرة، وهى الخطة التي باعت بمقتضاها إدارة الرئيس الأمريكي " رونالد ريجان " بواسطة نائبه " جورج بوش الأب " صواريخ مضادة للدروع إلى إيران عن طريق إسرائيل تحت زعم اطلاق سراح خمسة من الأمريكيين المحتجزين في لبنان " !! " ثم استعمال عائد الصفقة في تمويل حركات "الكونترا" المناوئة للنظام الشيوعي في " نيكاراجوا " بعيدا عن رقابة الكونجرس، الذي صنف " إيران الملالي " أمام الرأي العام الأمريكي كدولة عدوة لا يجب التعامل معها، كذلك شراء إيران لصواريخ أخرى من الإسرائيليين عام 1986، وغير ذلك الكثير الذي دفع " ببنيامين نتنياهو " رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد ذلك (1996 – 1999) إلى إصدار أمره بعدم الإعلان عن أي تعاون سابق أو لاحق بين إسرائيل وإيران، وذلك حتى يمنع " ناحوم منبار "، المتهم بتصدير كيماويات خاصة إلى إيران في تلك الفترة، من الحصول على معلومات خطيرة عن صفقات الصواريخ والأسلحة، وذلك بعد أن حاول محاميه السعي لإثبات أن " منبار " هذا ليس هو الإسرائيلي الوحيد الذي يبيع السلاح لإيران، وأن هناك شبكة علاقات واسعة لإسرائيل " الرسمية " معها، وربما، وعلى حد رأيي أيضًا، أراد " نيتنياهو " بقراره هذا حماية سرية بنود التعاون مع إيران، لأن كشفها سينسف كل البروتوكولات المتفق عليها مسبقا، وسيفضح محاولات " إيران الرسمية " المستمرة لارتداء مسوح " الأب الروحي " الداعم للثورات الإسلامية أمام الشعوب العربية، وسيهدم تبنيها لشعار " إزالة إسرائيل من على الخريطة " الذي لا يعدو عن كونه بروتوكولا شيطانيا آخر لخداع البسطاء العرب، تحت زعم معاداة إسرائيل، لتستطيع من خلاله تحقيق مشروعها الحلم!

 

نفس هذا التوجه يظهر بجلاء في بعض الدراسات والتصريحات الإسرائيلية المعنية، منها ما قاله " افرايم كام "، الباحث في مركز " جافي " للدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب (إن إيران لا تعتبر إسرائيل العدو الأول لها ولا حتى الأكثر أهمية من بين أعدائها) ونفس المعنى قاله " زيو مائور " الباحث بمعهد " أوميدا " الإسرائيلي في بحثه تحت عنوان " إيران بحاجة إلى إسرائيل " جاء فيه (إن إيران لا تشكل أي خطر على إسرائيل ولا تريد تدميرها , بل هي في حاجة إليها وتعتبرها مكسبًا إستراتيجيًّا مهمًّا حتى تظل قوة عظمى في المنطقة) , وتصريح آخر " لديفيد ليفى " وزير خارجية إسرائيل الأسبق لجريدة " هاآرتس " الإسرائيلية عدد 1/6/1997 قال فيه (إن إسرائيل لم تقل في يوم من الأيام إن إيران هي العدو )، وفى صحيفة " معاريف " الإسرائيلية عدد 23 /9/1997 يقول الصحفي " أوري شمحوني " (إن إيران دولة إقليميه ولنا الكثير من المصالح الإستراتيجية معها، فإيران تؤثر على مجريات الأحداث وبالتأكيد على ما سيجري في المستقبل، إن التهديد الجاثم على إيران لا يأتيها من ناحيتنا بل من الدول العربية المجاورة فإسرائيل لم ولن تكن أبدًا عدوًّا لإيران ).

 

وعن جريدة " لوس أنجلوس تايمز " نقلت جريدة الأنباء العدد 7931 مقالا للصحفي الإسرائيلي " يوسي مليمان " قال فيه (في كل الأحوال فانه من غير المحتمل أن تقوم إسرائيل بهجوم على المفاعلات الإيرانية فقد أكد عدد كبير من الخبراء تشكيكهم بان إيران - بالرغم من حملاتها الكلامية - تعتبر إسرائيل عدوًّا لها. وان الشيء الأكثر احتمالا هو أن الرؤوس النووية الإيرانية موجهة للعرب ).

 

ثم نختتم بما جاء في مذكرات " أرييل شارون "، التي سنعود إليها لاحقا إن شاء الله، صفحتى 583-584 الطبعة الأولى 1992، ترجمة أنطوان عبيد / مكتبة بيسان ـ بيروت، يقول (لم أرَ يومًا في الشيعة أعداء لإسرائيل على المدى البعيد )، هذا بصرف النظر عن جدية رأيه أو كونه يدق " إسفينًا " لصب الزيت على نيران الفتنة المذهبية الإسلامية التي " تصقل وتضيء " مستقبل إسرائيل القوية بضعف الآخرين، طبقا لبروتوكولات " حكماء صهيون هذه المرة "!

 

وعلى الجانب الآخر من " مزاد " الغزل غير العفيف، وفى تصريح " لاسفنديار مشائي " نائب الرئيس الإيراني " نجاد " نقلته صحيفة " اعتماد " ووكالة أنباء " فارس " الإيرانيتين في 20-7-2008 يقول (إن إيران اليوم هي صديقة الشعب الأمريكي والشعب الإسرائيلي) وهو التصريح الذي انتقدته الدوائر المقربة من " المحافظين " الإيرانيين بشدة، ليس لأن إسرائيل تحديدا هي من نعلم، ولكن لأنهم يرون أن شعبية الرئيس " نجاد " في العالمين العربي والإسلامي مبنية على مهاجمة إسرائيل والتشكيك بالمحرقة وليس على صداقتها!

 

والى هنا نصل إلى نهاية هذا الاستعراض، المتواضع، لبروتوكولات العلاقات " الإيرانية الإسرائيلية "، ليبقى لدينا الحديث عن البروتوكولات بين " أمريكا وإيران " و" حدوتة حزب الله "، وطابور " الملالي العرب " من غير " الشيعة "، ان جاز عليهم هذا التعبير، ورغم أنه قد يضعني داخل عش للدبابير، الا أنني أرجو أن يكون هو موضوع حديثنا القادم ان أراد الله تعالى , ثم أذن مضيفونا، وكان في العمر بقية.

 

ضمير مستتر :

-       يقول تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتِّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118].

 

كاتب مصري , a4hamdy@yahoo.com

 

المصدر : رُكن القلم

رُكن : الأستاذ / علاء الدين حمدي

لقراءة المادة بصيغة PDF

تنويه : " يرجى الإشارة إلى المصدر , هذه المقالة للكاتب المصري الأستاذ / علاء الدين حمدي – رُكن القلم – المؤسسة الثقافية الأحوازية ".