الثامن والعشرون من محـرم الحرام , 1431

الرابع عشر من كانون الثاني  /يناير , 2010

 

ابن الحدباء

نحن وايران - بعيدا عن الأماني قريبا من الواقعية

 

مع اندلاع الأحداث داخل إيران وما تبعها من تفاعلات دراماتيكية، بما أشرته من بوادر اتساع الشرخ بين المحافظين والاصلاحيين، طغى على كثير من المقالات، مايوحي بأن النظام الإيراني قد أصبح قاب قوسين من الانهيار. كعراقي متابع لما فعلته ايران ببلدي، لا أزعم بأن تلك الأمنيات والتحليلات لم ترق لي، أو أنها لاسمح الله، لم تجد في نفسي ما يتناغم مع ما تتمناه بل و تشتهيه، بل وتبتهل الى الله بتعجيله، وبأضعاف أضعاف، ما ساهمت به جارة السوء، فيما حل بالعراق وشعبه.

 

وللتذكير، وليس من باب المناكفة أو المزايدة على من كتب، وهم جميعا أعتبرهم أكثر دراية ومقدرة مني على تحليل مجريات السياسة الايرانية ومتغيراتها، وما يصب منها في صالح الشأن العراقي. ولكنني أزعم بأن جميع ما قرأت، لم يتعدى حدود ما يرجى حدوثه، أو ما هو قادم وبلا أدنى شك. من هنا سأفترض بأن ما نرجوه قد حدث واقعا، وبأن أحمدي نجاد، قد وافقت على منحه حق اللجوء السياسي، دولة السودان أو فنزيويلا أو حتى اسرائيل! وسأفترض ومن باب المأمول، بأن شباب ايران (المتحرر) قد انقلب على نظام الولي الفقيه، وأن ايران الغاضبة قد نجحت في الوصول الى قمقم الوكيل الأول (للمهدي المنتظر) علي خامنئي، وسحلته في الشوارع بعد احراق لحيته.

 

من بعد تلك الأمنيات، يبرز السؤال الجوهري! من سيتولى حكم ايران؟ سؤال قد تسهل الاجابة عليه، ويكفي لمن لايعرف اجابته، أن يستمع الى أقرب نشرة اخبارية، وسرعان ما سيجد أن اخبار ايران تتوسط ثناياها الأسماء الأربعة التالية (مير حسين موسوي، مهدي كروبي، محمد خاتمي، هاشمي رفسنجاني).

 

بتنبيش بسيط لخلفيات هؤلاء الأربعة الأمل! سيعرف الواحد منا، بأن جميعهم ليسوا سوى ثعالب، لايقل خبث أحدها عما يكنه الولي الفقية أو صنيعته نجاد، من شر للعراق وشعبه. وليس ذلك فقط بل جميع من ذكروا، كانوا من السباقين لتبيض الصحائف مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي خططت لاحتلال العراق بينما كان كل هؤلاء في مواقع المسئولية، بل أن من بينهم من كانوا شركاء فعليين، في تسهيل احتلال العراق والانتقام من شعبه، ذلك الشعب الذي خص كل واحد منهم نصيباً من ثمالة كأس السم، التي تجرعها كبيرهم الذي علمهم السحر! يوم اضطره هذا الشعب، على الاقرار بانكساره، قبل رحيله، ليغادر الدنيا والحسرة ملىء قلبه!

 

بقراءة هؤلاء، وبقراءة تاريخهم، سندرك بأن الأماني وحدها لن تصلح حال العراق، ولن تعيده الى سابق عهده ومكانته بين دول العالم. وعندها سندرك أيضا بأن هؤلاء ليسوا الا امتداداً، متفاوت الشدة، للحلم الصفوي تجاه العراق أولاً، وحلم استعادة دور شرطي الخليج بالشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية، عندها وعندها فقط؛ أعتقد بأن التمني على الله، هو التمني الأكثر رجاءً، وقربا من وعد الصادق المصدوق محمد (صلى الله عليه وسلم) القائل :" من أعان ظالماً، سلطه الله عليه".

 

وإذا ما ابتدأنا بالثعلب الفارسي، امبراطور الفستق (هاشمي رفسنجاني) سنجد أنه كان أول السياسيين الايرانين، ممن دعوا الى خلق تقارب حقيقي مع الولايات المتحدة، لإعادة فرض إيران كقوة إقليمية. وبأنه هو الذي من تحت عباءته ودهائه السياسي، خرج الى العالم علي خامنئي، الذي لولا ترشيح رفسنجاني وتزكيته له أمام مجلس الشورى، لما كان العالم ليسمع بمنصب المرشد الأعلى للثورة الاسلامية، والذي لولاه أيضاً لكان منصب الولي الفقيه قد قبر مع الخميني والى الأبد!

 

رفسنجاني لمن لايتذكر، كان القائد الأعلى للقوات المسلحة الايرانية بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية، وكان قبلها رئيسا لمجلس الشورى الذي مرر (ايران غيت) وهو ذاته رفسنجاني والذي وبعد توليه الرئاسة (1989 (انتقلت وبأمر منه، قيادة قوات بدر من طاقمها الفارسي، الى قيادة باقرالحكيم، الذي وبأشارة من رفسنجاني وتنسيق أمريكي، دفع الغوغاء سنة 1991 ليتحركوا وباشارة علنية صريحة من جورج بوش الأب، ليفعلوا ما فعلوا بجنوب العراق. ليتحرك العراق للرد على ذلك التمرد الغوغائي بالسحق، باستخدام الطائرات المروحية، وبغضة بصر أمريكية حيرت نورمان شوارسكوف. تلك الحيرة التي بددها ديك تشيني في العام 1993 يوم قال " قد يلومنا البعض على عدم اكمالنا الطريق نحو بغداد! فلو كنا فعلنا ذلك في وقتها؛ لكنا قد غرقنا في مستنقع، كان من المستحيل علينا الخروج منه" ذلك الاستخدام المفرط للقوة العسكرية، الذي مهد لفرض الحماية الامريكية على سماء جنوب العراق، وتكريس الحصار عليه، والذي كان فيه رفسنجاني شخصيا من أكبر المستفيدين منه من الناحية التجارية.

 

هذا على الصعيد السياسي، أما على صعيد المصلحة الشخصية، فيكفينا أن نعلم بأن شركة (داماك للتطوير العقاري) والتي يمتلكها رفسنجاني، قد بلغ مجموع استثماراتها المعلنة في شمال العراق بعد الاحتلال (55 مليار دولار) كما اعلنت عنه الشركة قبل فرارها من دبي، بديون هائلة، لم يجرؤ أحد على المطالبة بها الى اليوم!

 

وبالاقتراب من محمد خاتمي التركماني، صاحب الصوت الأعلى في المجاهرة بالتقارب مع الولايات المتحدة وحوار الحضارات، والذي أعلنها جهارا نهاراً، من خلال الفيلم الوثائقي (ترويض البركان) بأن تسهيل احتلال العراق كان مصلحة ايرانية أمريكية مشتركة، للتخلص من العدو الأكبر لايران صدام حسين وكان من قبلها مدير مكتبه قد صرح بأن ايران هي صاحبة الفضل الأكبر على الولايات المتحدة في تسهيل احتلال العراق، وازاحة الرئيس الراحل صدام حسين والذي ثبت حتى للعميان من العراقيين بأنه كان صمام الأمان لوحدة العراق.

 

في الترتيب الثالث يجيء الأذري، الايراني، الصفوي (مير حسين موسوي) الذي يقرؤه كثير من العراقيين، بانه صاحب السحنة الاكثر بشاشة وتحررا من نظام الملالي، حتى يبدو من خلال توسطه الدائم لجمع النساء، وكأنه قادم من خارج الدائرة الصفوية! ولكن حتما سيزول ذلك الانطباع، اذا عرفنا بأن موسوي هذا كان يشغل منصب رئيس تحرير صحيفة "جمهوري إسلامي" واشتهر من خلالها بمقالاته النارية المدافعة عن الثورة الخمينية وعدالة حربها مع العراق، ذلك الدفاع الذي أهله وبغضون عام واحد لأن يكافئ بتولي منصب وزير الخارجية الايرانية في (1981) العام الذي عرض فيه العراق مبادرته الثانية للسلام على مجلس الأمن، ورفضتها إيران واشترطت أن تدفع الحكومة العراقية 150 مليار دولار كتعويضات و أن يحاكم الرئيس العراقي صدام حسين أمام محكمة دولية، باعتباره المسؤول عن نشوب هذه الحرب. وموسوي أيضا هو السياسي الأيراني الوحيد الذي شغل منصب رئيس الوزراء طيلة سنوات الحرب العراقية الايرانية ولما بعدها بعام، حيث الغي المنصب بموجب الدستور، ليتولى بعدها عضوية مجمع تشخيص مصلحة النظام.

 

وفيما يخص الاسم الرابع مهدي كروبي، ابن الثالثة والسبعين، فهو الذي أَسْنَدَ اليه خميني، مسؤولية شؤون الحجاج الإيرانيين، ليكون مهندس غوغائية البراءة من الشرك والمشركين في بيت الله الحرام، تلك الاحداث التي وقعت في العام 1987 وقتل فيها 490 حاجاً من حجاج بيت الله.

 

وخلال فترة رئاسة هاشمي رفسنجاني لإيران، كان كروبي رئيسًا لمجلس الشورى الإسلامي من عام 1989 حتى عام 1991 ميلادي، وهي السنوات التي خلالها مررت ومن تحت عمائم ايران، أولى السيناريوهات الايرانية العلنية لزعزعة الحكم في العراق، والتي كان أفضحها انكشافاً، ما قامت به من دفع لقوات بدر، للتسلل وطعن العراق في خاصرته، وهو كروبي ذاته الذي اعيد انتخابه لرئاسة مجلس الشورة للأعوام 2000 حتى 2004، وهي السنوات التي شهدت أكبر التلاحم والاقتراب والتناغم ما بين ملالي طهران والصهيونية العالمية لتحقيق هدف مشترك واحد هو القضاء على العراق كدولة ذات قوة بالنسبة للصهاينة، أما بالنسبة للملالي فقد كان محو عروبة العراق هي البوابة الأولى لتمرير كل ما توسوس به الشياطين على ملك خامنئي.

 

فان كان هؤلاء هم اصلاحيوا ايران، فأي أمل يرتجى للعراق من شرورهم، وخصوصا إذا علمنا بأنهم جميعا وعلى اختلاف منابتهم العرقية، قد رضعوا الصفوية حطيطا عن حطيط! وهم جميعاً أكبر الدعاة الى مزيد من التعاون بين الولايات المتحدة وايران، وجميعهم يشترك في ذات الحلم الهادف الى عودة تنصيب ايران شرطيا على العرب وليس على الخليج العربي فحسب، فحق لنا أن لانفرط في تفاؤلنا بمن سيخلف احمدي نجاد ووليه الفقيه.

 

وقد قالت العرب :

ابلغ الثعلب عني عن جدودي  الصالحينا

عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا

إنهم قالــوا وخير القول قول العارفينا

مخطئ من ظـن يومـاً إن للثعلب  دينا

 

المصدر : رُكن القلم

لقراءة المادة بصيغة PDF

تنويه : " يرجى الإشارة إلى المصدر , وللتذكير ليس بالضرورة كل ما ينشر يعبر عن رأي رُكن القلم – المؤسسة الثقافية الأحوازية ".