الثامن والعشرون من محـرم الحرام , 1431

الرابع عشر من كانون الثاني  /يناير , 2010

 

عبد الجواد مكوطر

بأي شيء تجادل إيران ؟

 

هذه هي الحكاية قد ألفنا مضمونها التراجيدي منذ زمان فعندما يضعف الجسد تبدأ مظاهر الشيخوخة واضحة في شكل الإنسان الخارجي والداخلي مما تصبح المهمة سهلة لأي فايروس يريد اقتحام الجلد ليزرع نواياه الخبيثة باطمئنان.

هذا واقع العراق اليوم فالكتابة عن حدث مؤلم يخل بالكرامة والوطنية والتاريخ والحضارة يعني الدخول في غابة تتصاعد فيها النيران، وحسبكم أن تروا الكتابة عن هكذا حدث هي الدخول إلي الزوراء أو صالة السينما أو حانة الخمر.

أعتقد لا شيء جديد في مداد قلمي عندما أقول إن الأرض العراقية قد استبيحت من قبل دولة جارة مسلمة تعي حق الجوار وتتفهم أخلاق الإسلام وحرمة عتبات منازل الآخرين. فكل دول الجوار بفضل الله مسلمة قد تمادت علي أرضنا وجسدنا نتيجة الفراغ السياسي والعسكري والفوضي التي حلّت بالبلاد عندما ردم المحتل قواعد القوانين العراقية بـ (بلدوزرات) همجيته بل كل تلك الدول قد صدرت كل ما في جعبها من سهام سوء لعل إصابة شريان أو وريد تجعل من عملية احتضارنا أكيدة.

كذلك لا أريد أن أكتب عن بئر سرقتها إيران المسلمة في رابعة النهار، فكل آبار العراق منهوبة، وكل موارد العراق مسلوبة، وكل آمال العراقيين قاب قوسين من الزوال نتيجة الخرم الكبير الذي أصاب السفينة. لكن المؤسف حقا أن الحكومة العراقية أبرد من الثلاجة أو ليالي شباط في هذه القضية التي يعتبرها الشعب العراقي مساسا واضحا بكرامته. الغريب في الأمر كذلك بعض المسؤولين في غيبوبة عن هذا الحدث والبعض الآخر كذّب الخبر وقسم آخر أراد أن يداعب مشاعر العراقيين بالحل الوسط وهو الدبلوماسية والمفاوضات، كل هذا الكلام أعتقد غير مقنع وليس له أرجل تمشي علي سكّة الحق فكيف السكوت عن حقل ينهب وكيف التكذيب والعلم الإيراني مرفوع فوق البئر ولماذا اللجوء إلي الطرق الدبلوماسية لنجعل من اللاشيء شيئا أو قضية تحتاج النقاش والتفاوض وبالتالي أي مكسب ولو كان بسيطا لإيران هو نجاح أو نصر؟

يا تري أين كانت إيران القاجارية من البئر رقم 4 في الاتفاقية مع العثمانين يوما كان العراق تحت سيطرتهم عام 1913؟ وأين كانت إيران رضا بهلوي من اتفاقية عام 1937 مع العراق أبان حكم الملك غازي؟ وأين كانت إيران محمد رضا بهلوي من اتفاقية عام 1969 مع العراق وهو دولة جمهورية مستقلة ثم أين كانت إيران في اتفاقية الجزائر عام 1975 وكانت يومذاك لها يد قوية علي العراق أبان التمرد الكردي ومع كل تلك الاتفاقيات الأربع كان البئر موجودا وليس غائبا ومن ضمن الأراضي العراقية وليس الأراضي الإيرانية أو الآبار المشتركة بحسب قولهم.

اليوم ظهر في الأفق حديث عن آبار مشتركة وربما ميناء مشترك كما زعمت إيران قبل فترة حول ميناء العميق وربما تطلع البصرة التي فتحها عقبة بن غزوان تابعة لبلاد فارس. وما دام الجسد واهن لا تتفاجأ بأي حدث يصيب البلد.

إن الحكومة التي تتساهل في مثل هذا الموقف الذي يخل بالسيادة قد تفتح ثغرة لطمع وحش آخر يتطاول علي حرمة العراق وهذا ما يرفضه الشارع العراقي إذ رأينا كيف أن أبناء الجنوب والشمال هرعوا إلي الشارع رافضين ذلك العمل الرخيص طالبين من الحكومة فض القضية بأسرع وقت ومن الحكومة الإيرانية الانسحاب العاجل لجنودها وألا يكون للشعب موقف آخر.

السفير الإيراني في بغداد أكد أن الحقل مشترك ووجود قواتهم فيه أمر طبيعي والناطق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ قال "إن بغداد لم تطلب تدخل الولايات المتحدة الأمريكية بشأن التوغل الإيراني داخل الحدود العراقية والسيطرة علي إحدي آبار حقل (الفكة) النفطي، وإنها قادرة علي تسوية الأزمة مع طهران بالطرق التي تجدها مناسبة مشددا علي أن نقطة الخلاف مع إيران لم تصل الدرجة أو المرحلة التي تطلب فيها من واشنطن التدخل. إذا إيران داخل أراضينا حسب تصريح الدباغ والقضية تبدو إليه سهلة ولا تحتاج للنجدة.. فمتي نطلب النجدة؟ هذا من جانب.. ومن جانب آخر إذا كانت عافيتنا علي ما يرام.. فلم الاتفاقية الأمنية مع الأمريكان ولم لا يغادر الأمريكان أراضينا؟

ما عاد الشعب مغفلا للدرجة هذه وتتحدثون كيفما تشتهون وترغبون فإذا كان لنا جيش قوي ومجهز بما هو مطلوب فأين كان في لحظة دخول الجنود الإيرانيين إلي البئر؟ وإذا كان البئر يسرق بهذه السهولة فعلي الدنيا السلام.. فالضحية القادمة ربما ميسان أو البصرة أو خانقين ومن يمنع ذلك! إذا كانت إيران قطعت الماء ولم نسمع من يطالب بهذه الجريمة وتلطخت يدها بدم العراقيين الأبرياء وما وجدت من يرفع بوجهها السيف وتحركت نحو النفط ولمست البرودة من الجانب العراقي.

الحل الأمثل والوطني الخالص ألا يكون حوار مع الجانب الإيراني إذا لم تنسحب إلي النقطة التي انطلقت منها.

هذه اللعبة مثل المهزلة الصهيونية القائلة للفلسطينيين.. تعالوا نتفاوض لحل النزاع وهم أساس النزاع، فهم جاثمون علي أرض الفلسطينيين ويريدون تنازلات من الفلسطينيين بغية تحريك عملية السلام كما يزعمون. أعتقد حقل (الفكة) هو الآخر كذلك ويقول الإيرانيون تعالوا نتفاوض وعلي ماذا نتفاوض وأنتم بأراضينا.. لست أدري.. ولكن هناك قاعدة قائلة (جادل بالباطل حتي يأتيك الحق)، وحتي هذه القاعدة لا أري لها مكان حيث لا حق للجانب الإيراني من أجل الجدال.

 

المصدر : رُكن القلم

لقراءة المادة بصيغة PDF

تنويه : " يرجى الإشارة إلى المصدر , وللتذكير ليس بالضرورة كل ما ينشر يعبر عن رأي رُكن القلم – المؤسسة الثقافية الأحوازية ".