|
العاشر من رمضــــــــان , 1430
الحادي والثلاثون من آب
/أغسطس
, 2009
اللجنة العليا
للدعوة والإفتاء
وبشر الصابرين (الحلقة الأخيرة : الصبر والإيمان)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ
وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ
قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ)
((البقرة:157-155))
الحمد لله رب العالمين ،
أن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا
، من يهده الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له ، ونشهد أن محمداً الصادق الوعد الأمين عبده ورسوله عليه وعلى آله وصحبه
أفضل الصلوات والتسليم.
أما بعد،
·
الصبر نصف الإيمان :
عباد الله الأحوازيون الأحرار شيباً وشباناً ,
أطفال الأحواز جيل المستقبل , كما وضحت اللجنة الدعوية في الحلقة الأولى من هذه
الدراسة بأن الصبر والإيمان لا يفترقان , وإن من أصيب منكم ببلاء يجب عليه أن يتذكر
الركن السادس للإيمان ألا وهو الإيمان بالقدر بخيره وشره , الركن الذي لا يتحقق إلا
إذا كان إيمان أحدكم مطلقاً , هذا الإيمان له بناء كامل وخلق إسلامّي كريم لا يكون
إلا عند المؤمن منكم , يتحلى به فيكون عظيماً , ((هذا الخلق هو الصبر ، وهو ثمرة من ثمار الإيمان ، وثمرة من ثمار
الفهم عن الله ، وتدبّر حكمته العظيمة في تصريف الأمور وتقدير المصائب والنّعم على
العباد)).
قال الإمام أحمد – رحمة الله – : ((الصبر
في القرآن في نحو تسعين موضعاً)). وقد ورد في كتاب الله تعالى على نحو ستة عشر نوعاً من
الأمر به أو النهي عن ضده ، أو الثناء على أهله ، أو إيجاب محبته ووصيته لهم ، أو
تفضيله أو أنه خيرُ لأصحابه ، وغير ذلك مما ذكره الإمام ابن القيم – رحمه الله – في
مدارج السالكين في منزلة الصبر ، فمنزلة الصبر في كتاب الله وسنة رسول الله صلى
الله عليه و سلم منزلة عظيمة ، وهو كما قال كثيرٌ من السلف إنه نصف الإيمان وإنه قد
رُوِيَ أيها الأحوازي وأيتها الأحوازية عن ابن مسعود – رضى الله عنه – أنه قال : ((الإيمان نصفان ، نصف صبر ، ونصف شكر)). ولهذا جمع الله سبحانه وتعالى بين الصبر
والشكر في مواضع من كتابه الكريم فقال في سورة إبراهيم (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ
مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) ((إبراهيم:5)) , وبيّنه في مواضع أخرى من
كتابه الكريم حيث إقترن الصبر والشكر في سور لقمان , سبأ والشورى. وإعتبر ابن مسعود
– رضى الله عنه – ((أن
الإيمان نصفه صبر ونصفه الآخر شكر)) ، وإنما ذلك لأن المؤمن يدور في حياته كلها بين حالين ، حالٌ في مصيبة
وإبتلاء ، وحال في نعمة وسرّاء ، كما جاء في الحديث الصحيح : ((عجباً لأمر المؤمن , إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن
، إن أصابته سّراء شكر ، فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر ، فكان خيراً له))
, هذا هو حال المؤمن الحقيقي يا عباد الله الأحوازيون المظلومون في الأرض , فالمؤمن
يتقلب بين هذين الحالتين : حال الصبر على الضراء ، وحال الشكر على السرّاء ، وعلى
العكس من المؤمن سائر الناس ممن لم يؤمن أصلاً ، أو ممن أسلم ولكن لم يرسخ الإيمان
في قلبه ، كما ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا
مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء
مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) ((هود:10-09)). وكما قال الله عزَّ وجلَّ : (إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ
جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) ((المعراج:21-19)) ، نعم هذا هو حال غير المؤمن مع النعم والنقم ، فإنه إما
يئوس جزوع ، وإما فخور منوع ، إلا المصلين والصادقين , المصدقين , المتصدقين , أهل
الإيمان والصبر والغيمان عسى الله أن نكون نحن منهم ، وقد عقّب الله حول هؤلاء
المؤمنين بآية في سورة هود فقال : (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ
لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) ((هود:11)) ، فهؤلاء هم الذين صبّروا أنفسهم عند الضراء ولم ييأسوا ، ولم يجزعوا ،
وثبتوا على الإيمان ، وعند السراء شكروا ، ولم يبطروا ، ولم يتكبروا ، فجمعوا بين
شطري الإيمان : ((الصبر
والشكر)) ، فأصبروا أهل الأحواز على ما أبتليتهم به من
محتل غاشم وأشكروا الله فإنه يريد به أن يمتحنكم , فكونوا من المؤمنين لينصركم الله
ويجازيكم مغفرة وأجراً كبيراً , فالإيمان إما عمل طاعة فيكون من باب شكر الله تعالى
، وإما من ترك معصية فيكون من باب الصبر لله تعالى ، وإنما يقوم الدين على جانبين
هما الرغبة والرهبة ، الخوف والطمع ، فالمؤمن هو الراغب الراهب ، والخائف الطامع
كما قال – سبحانه وتعالى – : (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ
زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) ((الأنبياء:90)) ، وقال تعالى: (وَلاَ
تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ
رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) ((الأعراف:56)) ، فالرغبة والطمع يدفعان
المؤمن إلى شكر الله والرهبة والخوف يحملان المؤمن على الصبر.
·
مراتب الصبر ودرجاته :
أيها الأحوازي المجاهد , أيتها الأحوازية
المجاهدة , للصبر عدة مراتب ودرجات , ويختلف صبر العبد على شيء بلاء وبلاء ,
فمرتبة الصبر الأولى : هو صبر العبد على ما لا
كسب له فيه ، وهذا هو الصبر الإضطراري ، هو الصبر على أقدار الله تعالى ، وهو كصبر
من فقد النظر فصار ضريراً ، فلم يسخط ولم يجزع وإحتسب أجره عند الله تعالى ، وقد
قال رسول الله – صلى الله علية وسلم – : ((إن الله عز وجل قال : إذا
ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة)) رواه الإمام البخاري رحمه الله. فإن الصابر
على فقد عينيه ، صبر على ما لا كسب له فيه ، فإحتسب ذلك عند الله تعالى ، فعوّضه
الله الجنة ، ونحوه الطاعون ، فمن أصيب به فصبر محتسبٍ ، كان له أجر شهيد ، فيروي
البخاري قائلاً : ((حدثني
إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا النضر حدثنا داود بن أبي الفرات عن عبد الله بن
بريدة عن يحيى بن يعمر أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أنها سألت رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن الطاعون فقال كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة
للمؤمنين ما من عبد يكون في بلد يكون فيه ويمكث فيه لا يخرج من البلد صابرا محتسبا
يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد)). فالمؤمن أيها الأحوازيون إذا صبر على
الطاعون كان له شهادة في سبيل الله ، ومثل الطاعون – في أيامنا – كثير من الأمراض
التي تصيب الإنسان فيتألم ويتأذى منها ، ويلحقه بسببها الأوجاع ، كالسرطان ،
والأمراض المزمنة ، فإن المصاب بها إذا صبر وإحتسب ، وآمن بأن ما أصابه لم يكن
ليخطئه ، وكان له مثل أجر الشهيد ، وقد جاء في بعض الأحاديث استواء شهيد الطاعون
بشهيد المعركة ، فأخرج الإمامان أحمد والنسائي من حديث العرباض بن سارية – رضى الله
عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال :
((يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفون من
الطاعون فيقول الشهداء إخواننا قتلوا كما قتلنا ويقول المتوفون على فرشهم إخواننا
ماتوا على فرشهم كما متنا فيقول ربنا إنظروا إلى جراحهم فإن أشبه جراحهم جراح
المقتولين فإنهم منهم ومعهم فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم)) وزاد الكلاباذي في آخره: ((فيلحقون بهم)).
مرتبة الصبر الثانية : هو الصبر على ما يتعلق
بفعل العبد وإختياره , ما يعني أيها الأحوازي وأيتها الأحوازية بأن هذه المرتبة
أكمل من التي قبلها ، فإن صبر العبد منكما على ما لا إختيار له في وقوعه عليه يكون
إضطرارياً ، فهو صبر على أمر لم يكن له كسب في حصوله ، أما ما يكون للعبد فيه
اختيار بفعل أو ترك فالصبر عليه ، أكمل ، فإن النوع الأول قد يشترك فيه الفاجر
والمؤمن ، فيكون للمؤمن فيه ثواب الدنيا والآخرة ، ويكون للفاجر فيه راحة الدنيا
فيما لو صبر عليه دون ثواب الآخرة ، أما المرتبة الثانية من مراتب الصبر ، فلا
تتآتى إلا مع المؤمن ، لأنها صبر على طاعة الله تعالى بالقيام بها وفعلها ، أو صبر
عن معصية الله بتركها وإجتنابها ، وهذا الصبر يكون عن محبة وإختيار له ، وهو ثمرة
سعي العبد ومجاهدته نفسه وهواه , وهنا يعود بنا الحديث عن المحتل الصفوي الإيراني
الغاصب لأرضكما بأن الصبر هنا أكمل لأن البلاء هنا من صنيعة بني البشر لا الله
سبحانه , والبلاء هنا أنواع كـ"العمالة للمحتل" بسبب الإغرائات المالية التي يقدمها
المحتل لبعض الأحوازيين , فإن كان مؤمناً فقيراً أو غنياً صبر على هذا البلاء ولم
يعمل لدى المحتل , وإن كان ضعيف نفس , إشترى الدنيا وباع دينه وأرضه وعرضه وإخوته
وباع الأخرة الحسنى لقاء بعض التومانات التي لا تسمن ولا تغني عن جوع , وكذا بلاء
"الأمراض" التي يزرعها العدو في أرض وأنهار الأحواز والضحايا التي تتساقط يومياً
جراء هذه الأمراض , وبلاء الإعتقالات والمداهمات اليومية التي يستيغظ عليها
الأحوازيون , والتعذيب الذي يتلقوه في زنازين وسجون الإحتلال , والإعدامات التي
يقيمها الإحتلال قبيل وبيعد كل مناسبة دينية للأحوازيين كعيدي الفطر والأضحى
المباركين , كلها إبتلاءات صنعت بأيدي البشر , يريد الله بها أن يمتحنكم في دينكم
وإيمانكم , فإن إشترى واحداً منّا الدنيا بالذلة والشرك بالله لإرضاء الصفوية
والعمالة للفرس ولم يتجنب الفاحشة والمنكر والكفرفلا أخرة لأيٍّ منّا سوى نار جهنم
خالدين فيها أبداً وبئس المصير وإن صبرنا على هذه الإبتلاءات بمجاهدة النفس والمحتل
في سبيل الله , لقاء وجه الكريم , ودينه الحنيف , ومن ثم لقاء تحرير الأرض والإنسان
الأحوازيين للوصول إلى الحرية والإستقلال , فذاك هو الفوز العظيم.
·
صبر أنبياء الله عليهم السلام :
لهذا كان يوسف – عليه السلام – صابراً لما
راودته امرأة العزيز عن نفسه ، فإستعصم وإمتنع ، فكان صبره على السجن ، أكمل له –
عليه السلام من صبره على إلقاء إخوته له في الجب ، ثم بيعه رقيقاً في مصر ، فإن هذه
الأمور وقعت عليه بما ليس له فيه سعي ، أما إمتناعه عن إمرأة العزيز ، وصبره عن
معصية الله تعالى ، فهو عن اختياره ومجاهدة نفسه ، ومخالفة شهوته ، وخاصة مع قيام
الأسباب الداعية إلى وقوع المعصية ، فإنه كان شاباً ، جميلاً ، غريباً ، مملوكاً ،
والمرأة كانت سيدته ، وذات جاه ومال وجمال كما بيّت الحلقة الأولى من الدراسة (يرجى
الضغط هنا لقراءتها) ، وكانت قد هيأت له المكان , بعدما شغفها حباً ، فغاب الرقيب
والحسيب ، وبالرغم من كل هذه الأسباب الداعية إلى المعصية ، فإن يوسف – عليه السلام
– سما بنفسه عنها ، وصبر عن الفاحشة إيثاراً لما عند الله , وقد قال الله سبحانه
وتعالى عنه : (وَرَاوَدَتْهُ
الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ
هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ
يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) ((يوسف:23)). كذلك كان صبر الأنبياء – عليهم السلام – نوح
وإبراهيم وموسى وعيسى ، على ما أصابهم من إبتلاء ، لقيامهم بحق الله من الدعوة إلى
توحيده وتقديسه ، كان صبرهم أكمل من صبر نبي الله أيوب – عليه السلام – على ما ناله
من مرض وإبتلاء ليس له فيه سبب ، وإنما هو بقدر الله. وكذلك صبر إسماعيل الذبيح ،
وصبر أبيه إبراهيم – عليهما السلام – على امتثال لأمر الله وتنفيذه ، وإستسلامهما
لحكم الله – تعالى – بذبح إبراهيم لأبنه إسماعيل ، وقد قص الله تعالى عنهما ذلك
فقال : (فَلَمَّا بَلَغَ
مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن
شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) ((الصافات:102)) ، كذلك كان صبرهما – عليهما السلام – أكمل من صبر يعقوب – عليه السلام –
على فقد إبنه يوسف , وقد قال الله سبحانه وتعالى عن يعقوب لما فقد يوسف : (وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ
لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ)
((يوسف:18)) ، وهنا لابد من الإيضاح بأن الصبر الجميل هو الذي يكون دون إشتكاء إلى
أحد , وقد روى أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ((من بث لم يصبر)) , أي الصبر يجب أن يكون دون إشتكاء من البلاء. وإذا ما
رجعنا إلى صبر سيدنا يعقوب – عليه السلام – لما فقد يوسف بعد أن ألقاه إخوته بالجب
, وبعد فقده بنيامين الذي أخذه يوسف بمكيدة من إخوته , وبعد فقد روبيل الأبن الأكبر
له الذي قال لإخوته : (مَا
فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ) ((يوسف:80)) , قص الله سبحانه في كتابه الكريم بأنه (أي يعقوب) عليه السلام قال لبنيه
: (قَالَ بَلْ
سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن
يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ((يوسف 83)) ، ويدل هنا على كمال صبر إبراهيم على طاعة الله مقابل صبر يعقوب عليهما
السلام على قضاء الله ، فأن سيدنا إبراهيم – عليه السلام – إمتثل لما أمره الله به
وصبر عليه ، مستسلماً منقاداً كما قال تعالى : (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى
فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ
مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا
أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ
صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ
الْبَلاء الْمُبِينُ) ((الصافات:106-102)) ، في حين أن سيدنا يعقوب – عليه السلام – وهو
صابر , لكنه لم يملك أن لا يبكي على فقد لإبنه يوسف ، بحكم العاطفة والأبوة من شدة
الحزن وهنا لم يستطع سيدنا أن يصبر كما صبر وإستسلم سيدنا إبراهيم ، وقد قال الله
سبحانه وتعالى عن سيدنا يعقوب : (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ
وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) ((يوسف:84))، لكن مع هذا أيها الأحوازيون في
كَّل من مرتبتي الصبر كمال لصاحبهما ، فمن صبر على مر القضاء ، ولم يجزع ، ولم يسخط
، وإحتسب الأجر على الله كان كمالاً له في حينه ، ومن صبر على شرع الله تعالى :
امتثالاً لأمره وطاعة لحكمه ، أو اجتناباً لنهيه وتركاً لمعصيته ، كان كمالاً له في
حينه , عسى أن نكون جميعاً من الصابرين.
وصلى الله وسلم
على نبينا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين
اللجنـة العليـا
للدعوة والإفتاء
المنظمة الإسلامية السنية
الأحوازية
لقراءة المادة بصيغة
PDF
تنويه :
" يرجى
الإشارة إلى المصدر , صدرت هذا المقالة عن اللجنة الدعوية للدعوة والإفتاء الساعة
الواحدة والنصف صباحاً بتوقيت الأحواز العاصمة , المنظمة الإسلامية السنية
الأحوازية ".
|