|

السادس من رمضــــــــان , 1430
السابع والعشرون من آب
/أغسطس
, 2009
اللجنة العليا
للدعوة والإفتاء
توحيد الله (الحلقة الثالثة والأخيرة : العبودية الخالصة)
الحمد لله رب العالمين ،
أن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره
ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، ومن يضلل
فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمداً الصادق
الوعد الأمين عبده ورسوله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات والتسليم.
أما بعد،
العبودية الخالصة وأنواعها
أيها الأحوازي المؤمن , أيتها الأحوازية المؤمنة , محبة العبودية هي
المحبة المستلزمة لتعظيم المحبوب والإنقياد له , وهي المحبة التي لا تصلح إلا لله
وحده ، ومتى ما أحب العبد بها غير الله سبحانه وتعالى صار مشركا بالله وهذا العمل
الذي لا يغفر الله لصاحبه أبداً حتى يتوبلاإليه ويستغفر منه.
يقول الله سبحانه وتعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا
يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ
لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ)
((البقرة:165)). هؤلاء القوم المشركين جعلوا مع الله سبحانه مثلاء ونظراء له ,
يساونهم به في المحبة والتعظيم المستلزمة للطاعة والإنقياد ، فانقادوا جاهلية من
أنفسهم وبما جعلوا على أنفسهم "من أصنام ونيران وقبور" وأطاعوا غير الله سبحانه
وتعالى ، حيث إنهم لم يخلصوا به المحبة ولو أنهم أخلصوا له المحبة وجعلوها له وحده
سبحانه لمنعتهم من تقديم طاعة غيره على طاعته والإنقياد له وتعظيمه ، لذلك المؤمنون
لما أخلصوا محبتهم لله سبحانه وحده , لم تتقسم محبتهم الخالصة لله المقترنة
بالتعظيم والانقياد في آلهة لا تنصر ولا تنتصر ، وهذه المحبة الخاصة لا يجوز أن
تكون إلا لله سبحانه وتعالى ، ومن حققها فقد حقق التوحيد ، فتجد صاحبها لا ينقاد
إلا لله تعالى ، ولا يقدم طاعة أحد على طاعته سبحانه ولا يخاف إلا من بارئه عزَّ
وجلَّ.
هذه المحبة الخالصة – التي تستلزم الخضوع والتعظيم للمحبوب – لا تمنع
البشر من سائر أنواع المحبة التي فطر عليها ، والتي لا تستلزم التعظيم والانقياد
للمحبوب والتي هي في جميع الناس جميعاً , يشترك فيها المؤمن والمشرك , ولا تخص
أحداً فيهما.
أنواع المحبة :
-
النوع الأول - المحبة الطبيعية : المحبة الطبيعية هي محبة الإنسان
للنساء والبنين والذهب والأموال والطعام والشراب , كما قال تعالى في محكم تنزيله :
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ
حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ
ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) ((آل
عمران:14)) ، وهذه الأنواع من المحبة , هي محبة طبيعية ، إلا إذا ما تجاوز
الحد فيها المشروع ... فتصير هي الغاية والمقصود , حتى يكون أنقياد الإنسان لها هو
المسيطر عليه فتصبح خواطره وأفكاره وجوارحه وأعماله الظاهرة والباطنة تبعاً لها ،
فتشغله عما فرض الله سبحانه وتعالى عليه من عبادة ومحبة ، وهذه المحبة الشاذة إذا
ما صارت فهي من أنواع "المحبة الشركية" المنهي عنها ، كالمحبة الجمة للمال عند
البعض والتي تطورت في داخلهم حتى أصبحت كل شيء في حياتهم , من أجلها عبروا جميع
حدود الله وقد قال الله سبحانه وتعالى واصفاً إياهم : (كَلاَّ بَل لّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى
طَعَامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَّمًّا * وَتُحِبُّونَ
الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) ((الفجر:20-17)) ،
وهؤلاء ممن أخروا محبة الله سبحانه على محبة المادة ، على عكس ممن قال الله سبحانه
وتعالى عنهم : (يُوفُونَ
بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ
الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) ((الإنسان:9-8)) وهنا نرى بأن أصل هذه المحبة في طبع الإنسان , لكن درجاتها تختلف
من شخص لآخر ، فهناك ممن لا يخافون الله في طرق إكتنازهم للمال وهؤلاء هم المعذبون
يوم الدين وهناك ممن هم من أهل المحبة الخاصة ، الذين يطعمون الطعام – مع حبهم أياه
– لمن هو أولى وأحق به منهم ، فيقدمون محبة الله تعالى على محبتهم للشهوات
الطبيعية. وأما الصدّيق يوسف – عليه السلام – فقد قدم كذلك محبة ربه على محبة أمرأة
العزيز ذات الجاه والمال والجمال ، والتي مكنته من نفسها ، قال تعالى : (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ
وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ
رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) ((يوسف:27)) , (وَقَالَ
نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ
قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) ((يوسف:30)) ، وقد خيّر يوسف عليه السلام بين الفاحشة والسجن ، فأختار السجن
وأحبه على أن يفعل ما تأمره به إمرأة العزيز , (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي
إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ
الْجَاهِلِينَ) ((يوسف:33)) ،
فقدم عليه السلام المحبة الخاصة ، وهي محبة الله على ما كان قد فطره الله في
الإنسان من الميل إلى النساء ومحبتهن ، وهو شاب قد آتاه الله شطر الحسن.
-
النوع الثاني - محبة الإشفاق : وهي تندرج أيضاً تحت صنف المحبة
الطبيعية ، وهي محبة الرحمة والإشفاق ، كمحبة الوالد لولده "الطفل والصغير أو
المريض أو المسافر" ، كقوله تعالى عن النبي يعقوب ويوسف وأخوته عليهم السلام : (إِذْ قَالُواْ
لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا ...) ((يوسف:8)) ، إذ كان يعقوب – عليه السلام – وهو الأب – يفضل إبنيه يوسف
وبنيامين بالشفقة والرحمة – لصغرهما على بقية أبناءه ، وهذه المحبة لا تستلزم
التعظيم الذي هو ركن محبة العبودية.
-
النوع الثالث - محبة الأنس والمصاحبة : وهي محبة ناتجة من أجل
المشاركة في صناعة أو علم أو مرافقة أو سفر أو حياة بكاملها وهي كمحبة الوالدين
لأبناءهم عموماً وكمحبة الزوج لزوجه , وكمحبة الإخوة والأقرباء والأصحاب بعضهم
بعضاً ، نحو قوله تعالى : (إِنَّكَ
لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ) ((القصص 56)) ،
وقد نزلت هذه الآية في موت أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم.
المحبة الشركية :
جميع الأنواع السابقة من المحبة ، مما لا يستلزم التعظيم ، وهي من
أنواع الحب المباحة ، ما لم يقدمها صاحبها على محبة الله سبحانه وتعالى ، فيعارض
بها طاعة الله – عز وجل – ورسوله صلى الله عليه وسلم - ، أما المحبة الخاصة التي لا
تصلح إلا لله وحده ، فهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم ، وكمال
الطاعة ، والتي لا يجوز تعلقها بغير الله سبحانه ، وهي المحبة التي صرفها المشركون
لمعبوداتهم. فأشركوا من خلالها بالله حينما أخلصوها لآلهتهم ولم يخلصوها لله ،
وجعلوا نصيباً منها لما صنعت أيديهم وما وسوست به أنفسهم وما هوت أفئدتهم ,
واضعينها نداً لله وما كانت لتكون أبداً. هؤلاء المشركون جعلوا محبة العبودية التي
يجب أن تكون خالصة لله تعالى ، جعلوها بين الله وبين مخلوقات ألَّهوهّا ، كالأصنام
والأوثان ، وقبور "ممن رؤوا فيهم الصلاح وممن جعلوهم من الأولياء كالكهنة" ، وقد
جعلوا بعض الأنبياء شركاءاً مع الله في المحبة الخاصة ، محبة العبودية. وقد صرفوا
هؤلاء المشركون عبادات لا تكون إلا لله سبحانه كالدعاء والإستعانة والإستغاثة ،
وطلب الشفاء والرزق ، صرفوها لمحبوباتهم التي جعلوها في نظير محبة الله ، فتوزعت
بذلك محبتهم بين الله وبين أندادهم من البشر وما صنعت أيديهم وهوت أنفسهم ، وقد
أخبرنا الله تعالى عن حال هؤلاء الذين أشركوا به سبحانه وسوّوا "المحبة العبودية"
بينه وبين آلهتهم , أخبرنا بأنهم في النار جميعاً ، هم ومن غرر بهم , حين قال
سبحانه : (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا
كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ *
فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ *
قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ
* إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا
الْمُجْرِمُونَ) ((الشعراء:98-91)).
ويصف الله تعالى محبة أهل الإيمان بأنها الأشد من سواها لأنها الخالصة
له سبحانه (...
وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ...) ((البقرة:165)) , والمحبة الخالصة تكون أشد من المحبة المشتركة وهذه المحبة هي
التي تنفع العالمين في الدنيا والأخرة لأن في محبته سعادة العبد وصلاحه ، ولأنها
لمن يستحق المحبة , للذي بيده مقاليد كل شيء ، وبيده الأمر والنهي ، والذين جعلوا
هذه المحبة مشتركة بين الله وبين أندادهم وما هو دوناً منهم وهؤلاء لقد أحبوا من
سيتبرأ وما ستتبرأء منهم يوم القيامة ، ولن ينفعهم حبهم الشاذ ، لأنه كان شركياً
بالله ، حينها تتلاشى هذه المحبة الغير مشروعة ، وتتقطع بينهم أسباب هذه المحبة
الباطلة التي كانت في الدنيا ، بل وتنقلب إلى حسرة وندامة ، وخلود أبدي في نار جهنم
أعاذنا الله وإياكم منها وجعلنا من أهل الجنة , آمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمّد وعلى
آله وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين
_________________________
لقراءة الحلقات السابقة لهذه المقالة : (الأولى)
, (الثانية)
, وهنا رابط لهذه الحلقة (الأخيرة).
اللجنـة العليـا
للدعوة والإفتاء
المنظمة الإسلامية السنية
الأحوازية
لقراءة المادة بصيغة
PDF
تنويه :
" يرجى
الإشارة إلى المصدر , صدرت هذا المقالة عن اللجنة الدعوية للدعوة والإفتاء الساعة
الواحدة والنصف صباحاً بتوقيت الأحواز العاصمة , المنظمة الإسلامية السنية
الأحوازية ".
|