الرابع من رمضـــــــــان , 1430

الخامس والعشرون من آب  /أغسطس , 2009

 

اللجنة العليا للدعوة والإفتاء

توحيد الله (الحلقة الثانية : حلاوة الإيمان في محبة الله)

 

الحمد لله رب العالمين ،

أن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلا هادي له ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمداً الصادق الوعد الأمين عبده ورسوله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلوات والتسليم.

 

أما بعد،

حلاوة الإيمان في محبة الله

 

أيها الشاب وأيتها الشابة الأحوازيين , أيها الطفل الأحوازي جيل المستقبل , يقول بعض من العلماء – رحمهم الله – في تعريف العبادة : "هي غاية الذل مع غاية المحبة" , والمتعبد الحقيقي هو من يكون ذليلاً أمام معبودهِ , محباً له.

 

ترتكز العبادة على ثلاثة أركان : "المحبة ، الخوف ، الرجاء" , فإذا وجدت هذه الركائز الثلاث في العبادة وتحققت فيها، فإن العبادة الحقيقية التي تنفع صاحبها. والعبادات كثيرة منها : "الصلاة والصيام والحج والصدقة" , فإذا قام بها العبد مع الحب والخوف والرجاء أثمرت له وانتفع بها ، وتذوق من هذه الأعمال حلاوة لا يجدها إذا ما أداها بدون الحب ، كمن قام "ليرائي" بها الناس فحسب ، أو من قام بها بحكم "العادة" ، أو "التجارة في كل أصنافها" أو غير ذلك. ومن صلى وحقق في صلاته المحبة لمن أمره بها ، مع محبة أمر أداء الصلاة ، ومحبة تنفيذه له ، يكون قد وصل إلى المراتب العليا من الإيمان والدرجات العليا من التوحيد الخالص والذي يؤتي بالثمار الحلوة في الدينا والأخرة لمتعبدها. وحلاوة العبادة مصدرها المحبة , كلما كانت المحبة متحققة بها كانت الحلاوة التي يجدها المتعبد أظهر وأبين ، وكلما نقصت المحبة شيئاً ما ، نقصت معها الحلاوة بذات القدر ، بل إن من صلى وصام وحج ولم يكن قد حقق المحبة في أعماله وجد لها مرارة كالمريض الذي يتذوق العسل فيجده مراً ، في حين أن الإنسان الصحيح يتذوق حلاوة العسل على ما هي عليه ، وهكذا الحال فيمن عبد الله بالمحبة فإنه يجد العبادة على ما هي عليه من الحلاوة والطيب والزكاء.

 

يقول الله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء) ((إبراهيم:24)) ، فالكلمة الطيبة كلمة التوحيد وهي الشجرة ، وأصل الشجرة الإيمان الراسخ القائم على المحبة ، أما أغصان الشجرة وفروعها فإمتثال لأمر الله وإجتناب ما نهى عنه ، وأما ورقها فما يهتم به المؤمن من المؤمن من الخير من الكلام الطيب والعمل الصالح ، وثمر هذه الشجرة ما يجده المؤمن من الحلاوة ليست محصورة بصاحبها فحسب بل قد يجد نفعها ويستفيد منها غيره من المؤمنين ، وهذا من فضل الله سبحانه على العالمين , فالحمد لله على رحمته وإحسانه في خلقه وأمره.

 

أيها الشباب الأحوازي قد جاء في السنة النبوية الشريفة ما يقرر هذه المعاني فيما رواه الشيخان عن أنس – رضى الله عنه – عن الرسول – صلى الله عليه و سلم – قال : ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)).

 

فمدار تذوق حلاوة "الإيمان على الحب والكره" ، فمن كان قد إجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث "المذكورة في الحديث" فقد وجد للإيمان حلاوة وتذوق منه أكثر من ما يتذوق أنواع الملذات الأخرى , وكيف لا وهي الحلاوة الأعظم من أي حلاوة يجدها المؤمن في قلبه وهو في هذه المحبة التي يجد فيها لذة الإيمان والطاعة , والتي يتوجه فيها بكليته إلى الله تعالى فإنه لا يحب إلا ما يحبه الله ولا يكره إلا ما يكرهه الله فهو إذا أحب شيئا غير الله، فإنما يحبه من أجل الله ، فلو أحب أحد من الناس فإنه لا يحبه من أجل طمع في دنيا أو عرض عاجل ، وإنما يحبه لأنه مطيع لله مؤمن به محب له. وروي عن إبن عباس – رضى الله عنه – قال: ((من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله ، وعادى في الله ، فإنما تنال ولاية الله بذلك ، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك , ثم قال : وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئاً)).

 

وإن كان المرء بطبعه قد يحب أشياء هي من المباحات فإنه لا يجد حلاوة الإيمان ولذته حتى يقدم حب الله تعالى على حبه لهذه الأشياء ، فلو عرض له في طريقه شيءٌ من هذه المحبوبات ليعوقه عن محبة الله فإنه يسارع إلى تقديم محبة الله – جل جلاله – على أي شيء كائناً ما كان ، ولو كان أماً أو أباً ، زوجاً أو ولداً ، مالاً أو سكناً، يقول تعالة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) ((التوبة:24-23)).

 

فقوله تعالى : ((أحب إليكم)) يدل على أن أصل المحبة لهذه الأشياء لا حرج فيه ، فالإنسان يحب والداه ، ويجب زوجه ويحب ولده ، ويحب أخاه ، ويحب عشيرته ، ويحب ماله ، ويحب تجارته ، ويحب مسكنه ، وهي من المحبة الطبيعية التي زرعها الله في البشر، وإنما مكمن الشرك هو من كان "الإنس , الدنيا" أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله. ومن عرض عليه أمران أحدمها يحبه الله ورسوله ، وليس لنفسه فيه هوى ، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه ، وفوت عليه محبوباً لله ورسوله ، أو إستنقص منه ، فإنه قد قدم ما تهواه نفسه على ما يحبه الله ، وهذا يدل على ضعف محبته لله ، وأنه تارك لما يجب عليه من محبته سبحانه. وقد قال الحسن عليه السلام : (اعْلَمْ أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته) , ونتبين بهذا أنه لا يجد حلاوة الإيمان من كان في قلبه إصرار على محبة ما يكره الله ، أو يقدم شيئاً على محبة الله ، ومتى ما كان في القلب شيء من ذلك ، كان هنالك نقصاً في التوحيد ، وهو من نوع الشكر الخفي , لهذا قال اللليث عن مجاهد – رحمهما الله – في قوله تعالى : (...وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا...) ((النساء:36)) ، قال : (لا تحبوا غيري).

 

وتعقيباً على الحديث قال شيخ الإسلام إبن تيمية – رحمه الله , في بيانه له : ((حلاوة الإيمان متضمنة للذة والفرح تتبع كمال محبة العبد لله. وذلك بثلاثة أمور : تكميل هذه المحبة ، وتفريغها ، ودفع ضدها. فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من سواهما ، فإن محبة الله ورسوله لا يكتفي فيها بأصل الحب ، بل لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما , وتفريغها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله , ودفع ضدها: أن يكره ما يناقض الإيمان كما يكره أن يقذف في النار)).

 

اللجنـة العليـا  للدعوة والإفتاء

المنظمة الإسلامية السنية الأحوازية

لقراءة المادة بصيغة PDF

تنويه : " يرجى الإشارة إلى المصدر , صدرت هذا المقالة عن اللجنة الدعوية للدعوة والإفتاء الساعة الواحدة والنصف صباحاً بتوقيت الأحواز العاصمة , المنظمة الإسلامية السنية الأحوازية ".