الخامس عشر من رمضـان , 1430

الخامس من أيلول  /سبتمبر , 2009

 

المؤسسة الثقافية الأحوازية

تقدم لكم المؤسسة الثقافية الأحوازية قصة قصيرة جداً بمناسبة القرقيعان في الأحواز المحتلة بقلم الماجدة الأحوازية – السيدة / أخت الثوار , بعنوان :

القرقيعــان في الأحــواز

 

القرقيعان في الأحواز

 

القمر لازال هلالاً (أبو خمس ليال) . تنظر إليه كل ليلة حمده ، تنظر إلية و تستعجله أن يكبر . حمدة ذات الست سنوات ، أخرجت ثوبها القديم و (بُخنَقها) المطرز بخيوط ذهبية و الزاهي ، و لبسته لئلا يكون قد صغر عليها و حضرت كيسها المزركش . لقد خاطت لها أمها من سنوات طفولتها الأولى الكيس و الثوب و البٌخنَق و لإخوانها و أخواتها كذلك ، و كل عام تنتظر بفارغ الصبر ، شهر رمضان و خاصة الأيام البيض عندما يقترب القمر من الاكتمال (منتصف رمضان) و هي أيام القرقيعان (1) (ليلة الثالثة عشر ثم الرابعة عشر و الأخيرة ، الخامس عشر) .

قالت لأمها : أماه ، البخنق ضيق عليَ و الثوب كذلك . طمأنتها أمها بقولها : سوف أوسعه لك و أطـَوله لك أيضاً ، فلا تخافي و كذلك إخوانك ، لدينا الكثير من الوقت لا تستعجلـي يا حمدة . أما حمدة فهي ترى الوقت الطويل و أيضاً تخاف أن يدركها الوقت في نفس الوقت ، و لم تزل غير جاهزة و ملابسها صغيرة !

ذهبت حمدة للمدرسة و هي في السنة الأولـى من الابتدائية ، همست لصاحبتها (بسنه) : هل حضّرتي ثياب القرقيعان ؟ ردت عليها بسنه : نعم و الكيس أيضاً ، فسألتها حمدة : و هل حضّرت خيرية و شوقة و سارة ثيابهن أيضاً ؟ ردت بسنه : نعم و نحن ننتظر ليالي القرقيعان بشوق كبير . سمعت المعلمة الفارسية (الإيرانية) همسهن فضربت بالطبشورة رأس حمدة و صرخت عليها أن تصمت هذه العربية الريفية ! و سألتهن عن ماذا كانت تتكلم ، فقالت لها عن القرقيعان ، فضحكت البنات الفارسيات و المعلمة باستهزاء و باستعلاء عليها و علـى ثقافة أهلها (العرب) ، و قالت : هذه عادة سيئة و هي عادة عربية و هم يعلمون أولادهم أن يضربوا أبواب الناس و يطلبون منهم … و من المفروض أن يكون الأطفال في الليل نيام !

 

بكت حمدة رغم أنها لا تفهم ماذا ترطن (تتحدث بالفارسية) عليها المعلمة ، لقد ألمها رأسها و فهمت أن البنات و المعلمة يسخرون منها فدعت في قبلها : الله يفكنا (يريحنا) منكم في هذا شهر رمضان عاجلاً ، الهي لقد تعبت من هذه المدرسة الفارسية ، ياليت ترجع هذه المعلمة و هؤلاء البنات (الفارسيات) إلـى ما وراء الجبال و نرتاح منهم .

و عندما رجعت حمدة للبيت ، رآها جدها ، حزينة ، فقال لها : بيتي (حبيبتي) حمدة ، إشمالك (ما بالك) ؟

ردت عليه حمدة و العبرة تخنقها : يا جدي هذه المعلمة تسخر منا و من العرب و لا أفهمها ، لكن أفهم نظراتها و تصرفاتها معنا (العرب) و ضحكها علينا . رد الجد قائلاً : يا حمدة ، أدعي ربك في هذا الشهر الفضيل ، أن يرجعهم إلـى ديارهم و جبالهم و إن شاء الله سنرتاح منهم عاجلاً أم آجلاً فلا يدوم الظلم لمدة طويلة ولو أنه طال علـى الأحـواز ، لكنه سيندحر ، لقد آن الأوان لذلك ، كفى ظلماً يا فرس لنا (أي العرب) ، يكفي .. يا حمدة عزيزتي ، لقد وصل يومهم ، ها هم إخوانك و أولاد عمك , أخواتك الماجدات ، و كل أبناء الأحـواز الشرفاء يقاتلون و يثورون ضد ظلم (احتلال) إيران و أن ليل الظلم قصير بإذن الله . فدعا الله بخشوع : يا إلهي اكشف عنا ظلم إيران و حرر أحـوازنا العربية ، إلهي فرج علـى شعبنا ، نريد أن ندرس بلغتنا (لغة الأم ، العربية) ، نريد ملعمينا و مربينا أن يكونوا منّا ، و .. فهم أرحم بنا و أشفق علينا ، لا نريد الغرباء في ديارنا ، فهم ينظرون لنا بكراهية و بتعالـي و يظلموننا و يهينوننا و لا يتكلمون بلغتنا و يجبروننا أن نتكلم بلغتهم (لننسى لغتنا بمرور الأيام) ، فحتى لو كنت مريضاً و ذهبت إلـى الطبيب ، عليك أن تتكلم بلغتهم حتى تستطيع أن تفسر لهم ما بك ، آه لهذا الظلم ، يريدوننا أن نصبح في بلادنا غرباء ..

 

ذهبت حمدة و لا زال كلام جدها يرن في أذنها و هي تفكر ، هل الأطفال في البلاد الأخرى من العالم مثلنا ؟ أتت أمها و معها ثياب حمدة الخاصة بالقرقيعان ، فابتسمت حمدة ، ولكن لازال الأسى بادي علـى وجهها ، فسألتها أمها : ما بالك يا حمدة ؟

 فشكت لها حمدة ، المدرسة و المعلمة و … ،

 فارتسم الحزن علـى وجه الأم الأصيلة و سكتت و خنقتها العبرة ،

 سألت حمدة أمها ، هل في العالم بلادُ مثلنا ؟ ، فيها أناس غرباء يظلمون أهلها ؟ و شعبنا العربي الأصيل ؟ ،

 قالت لها أمها بأسى شديد : كل العالم حرُ و حتى البلاد القليلة المحتلة ، ليسوا مثلنا ، فلا يوجد في العالم ظلمُ كالظلم الذي وقع علينا من الفرس (الإيرانيين) .

 سألتها حمدة : و هل يجب أن نعيش إلى الأبد هكذا ؟

 أجابتها أمها : لا ، فإذا أردت ... يتغير كل شئ ،

 فرحت حمدة بما سمعت ، و قالت : كيف يا أماه ؟

 أجابته الأم : إذا أردتِ و أراد البنات و الأولاد الذين في القرقيعان التحرر من الظلم (الاحتلال) ، ستتحرر الأحـواز ، فأنتم جيل المستقبل و علـى يديكم سيتغير وجه القدر ،

 فرددت حمدة مرة أخرى : كيف يا أماه ، كيف ؟

 فقالت لها أمها : بنيتي ، عندما تقرقعون (تذهبون للقرقيعان) ، اهتفوا للأحـواز العربية الحرة ،

 

 فرحت حمدة و انتظرت الليلة الموعودة بكل الشوق . باتت حمدة ليلتها و هي تنظر إلـى القمر المطل عليها من الشباك ، و هي توعده بأنه سيرى أطفال الأحـواز يرفعون رؤوسهم و أصواتهم و يغنون للحرية ، عانق القمر النخلة و غفت حمدة علـى حلم جميل .

في الصباح استيقظت حمدة و هي كلها تفاؤل و أمل و فرح ، قررت أن تكلم صويحباتها (صديقاتها) عن الليلة ، ليلة القرقيعان ، عندما كلمت حمدة البنات فرحن كثيراً و كل واحدة منهن قررت أن تكلم إخوانها و أخواتها و كل من يعرفنه لتكون ليلة القرقيعان ، ليلة كل أطفال الأحـواز و ليس بيت واحد أو قرية واحدة ، و من هنا و هناك و من هذا البيت لذاك ، صار الأطفال ، أطفال النخلة و القاع (الأرض) ، هذه القاع التي ترابها يشبه الحنا و رائحته أعطر من رائحة المسك و العنبر . صار أطفاله كأنهم زلزالُ أو طوفان سيأخذ بطريقه كل الظلم و الاحتلال و الاستعمار ، سيخلص الوطن من كل العوالق و الأوساخ و النفاق ، و ستكون الأحـواز نظيفة طاهرة كعهدها دائماً ، لا تقبل الدنس و الرجس و العار ، ستكون حرةً عربية كما كانت و كما خلقها الله .

 

 

اليوم هو الثاني عشر من رمضان ، الليلة هي الليلة الموعودة . بعد الإفطار طلبت حمدة من أمها أن تضفر لها شعرها ، فضفرت لها أمها شعرها المحنى و الذي تفوح منه رائحة الأرض ، رائحة أمهاتنا و جداتنا و كل ( احبي باتنا) ، رائحة السعد و المحلب و القرنفل و الحنا . ضفرت لها أمها شعرها قصايب و لبست حمدة ، ثوبها و بخنقها و أخذت كيسها ، عندما اجتمعوا أخوان حمدة و أخواتها قرب الباب ، أعطتهم أمهم بركة من القرقيعان و وضعت في كيس كل منهم القليل (كبركة) و دعا لهم الجد و الجدة ، و قال لهم لا تنسوا أن تهتفوا للأحـواز ضحك الأولاد و سموا باسم (الله) و خرجوا .

 

كل ما طرقوا باباً ، يُطلب منهم أن يهتفوا للأحـواز العربية و للشهداء و للأسرى و كان الأولاد ، يهتفون يغنون ، يهزجون ، و القمر ينير لهم الطرقات و الدروب ، اجتمعنا البنات معاً و اجتمع الأولاد معاً و كانوا يغنون بأصواتهم الجميلة و ينادون الحرية القابعة في مكان ما ، الحرية التي يجب أن نتحرك و نبحث عنها ، فهي لا تأتي للهامد ، لا تأتي للإنسان الميت الذي لا يحس و ليس لديه شعور إيجابي تجاه أرضه و وطنه و شعبه ، بل الحرية تحب من يسعى إليها ليستحقها عن جدارة .

 

كانت قرية حمدة كأنها في عرس جميل و كان النخيل الشامخ واقف بصمـود ، ينظر من الأعلـى إلـى الأطفال ، و يفتخر أنه ينتمي إلـى هذه الأرض ، و كانت النهران ، يتلامع مائها ، كأنه فضة ، و وجه القمر مرسومُ عليه ، و الأطفال من بيت لبيت ، ثم من قريتهم للقرية القريبة منهم ، و كانوا يسمعون أصـوات أطفال القرى المجاورة ، فكانوا يهتفون مثلهم ، و يغنون و يهزجون للأحـواز ، للحرية ، للكرامة ، للشهيد ، للأسير ، و كانت أصـواتهم تلتحم و تعلوا ، و تعلوا .

 

 

وكانت صيحة واحدة حتى غنى معهم القمر و النخيل و النهر و حتى حبات التراب و حتى النسيم ، يالها من ليلة ، و يالها من ليلة . ليت نهارها مثلها ، و ياليت تدوم هذه الليلة ليسقط الاحتلال (الإيراني) البغيض و ينزاح ليل الظلم عن الأحـواز و تدوم ليلة القرقيعان ، عـرس الحرية .

 ها هي حمدة وبرفقتها الأطفال جميعاً ، كل أطفال الأحواز ، ها أنا أسمع صوت حمدة وهو ينادي وبرفقتها أصوات الأطفال ، وها هي الأهازيج ، أهازيج الحرية :

 

قرقيعـــان   وقرقيعـــان

إب كل الوطن وإب نص رمضان

وكل أرضنا تشـب نيـــران

تحرق الظلـــم  والغربــان

وكـل غريـب يرد طهــران

__________________

قرقيعــــان  وقرقيعـــان

مـن المحمـــرة لعبـــادان

ومـن القصـبة  للسيـــراف

ومـن الحــويزة   لعبـد الخان

ومـن الثـــورة  للزرقــان

ومـن قرانـة  لحـد  شيبــان

__________________

قرقيعــــان  وقرقيعـــان

كلـنـا الأطفــال بالبيبــان

إتقرقع  عنـــد  الجيـــران

وأحــنا عـرب مو عجمــان

وإهــنا الأحــواز مـو إيران

  ________________________

 الهوامش :

1) القرقيعان  : مزيج من مكسرات و حلويات .. تعطى للأطفال الذين يحيون هذه المناسبة و ذلك من الـ12 حتى الـ15 من كل رمضان. والقرقيعان هي عادة تداخلت فيها العروبة والإسلام وأصبحت عادة من المغرب العربي وحتى الخليج العربي. وأما عن القرقيعان في الأحواز فهي عادة مازالت موجودة ويحيّحها أبناء الأحواز رغم محاولات العدو الإيراني المكثفة لمحو هذه العادة العربية الأحوازية من ذاكرة شعبنا. والقرقيعان في الأحواز يتشابه كثيراً مع مثيلتها في العراق والكويت والبحرين وقطر وباقي دول الخليج العربي الشقيقة.

 

·        ماذا تعني كلمة قرقيعان :

-       القول الأول : يقال أن "قرقيعان" لفظ عامي مأخوذٌ من قرع الباب ، وذلك لأن الأطفال يقومون بقرع أبواب البيوت في هذه المناسبة.

-       القول الثاني : يقال ترجع تسميته في اللهجة الشعبية في أغلب مناطق الخليج العربي بشكل خاص والعالم العربي بشكل عام إلى أستخدام الأطفال في الماضي بعض الأواني مثل "الطاسة" و الـ"القدر" للقرع عليها.

-       القول الثالث : أنه مشتق من " قرَّةُ العين " وهو ما فيه سرور الإنسان وفرحه ، ومنه قول الله عَزَّ وجَلَّ : ((رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ)).

 

·        التسمية في الخليج العربي : تسمى هذه العادة الشعبية في الأحواز المحتلة والبصرة دونا عن باقي مناطق العراق ودولة الكويت والسعودية بالقرقيعان ، وتسمى في بغداد والموصل وسامراء بـ((ماجينا يا ماجينا)) وفي البحرين : القرنقعون ، ويطلق عليها أهل قطر القرنقعوه ، وأهل عمان القرنقشوه.

 

المـؤسسة  الثقـافية الأحـوازية

لقراءة المادة بصيغة PDF

تنويه : " يرجى الإشارة إلى المصدر , صدرت هذه المقالة عن المؤسسة الثقافية الأحوازية بمناسبة وقامت بإعدادها وتقديمها الماجدة الأحوازية / أخت الثوار , في الـ14 من رمضان 1426هـ , الموافق الـ26 من أيلول / سبتمبر 2005م".